العرب والتحدي الاسرائيلي
واستبشر الجميع عندما استهل نشاطه بعد دخوله البيت الابيض بالاتصال بعاهل المملكة العربية السعودية عبدالله بن عبد العزيز وبالرئيس الفلسطيني ابو مازن وبرئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو، واتبع ذلك بارساله ممثله الشخصي السياسي المجرب والديبلوماسي المحنك الذي نجح في حل معضلة ايرلندا الشمالية السناتور جورج ميتشل للتوسط بين طرفي النزاع بغية الوصول الى ارضية مشتركة تؤدي الى تحقيق الرؤيا الاميركية بانشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش جنبا الى جنب مع الدولة العبرية. وتجدر الاشارة الى ان ميتشل هو من اوصى في تقريره الذي رفعه الى الرئيس الاميركي سابقا كلينتون عام 2001 بضرورة وقف الاستيطان في القدس والضفة الغربية كشرط لا غنى عنه للبدء بتسوية مقبولة للمعضلة الفلسطينية.
غير انّ الجولات المكوكية التي قام بها الموفد الأميركي، بالإضافة الى الجهود التي بذلتها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ما لبثت جميعها ان باءت بالفشل، حتى انهما لم يتمكنا من إقناع اسرائيل بوقف التوسع في البناء ولو في مستوطنة واحدة مزروعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد تمكّنت الدولة العبرية، خلال فترة وجيزة بعد تسلّم أوباما سلطاته، من ليّ ذراعه بفضل اللوبي الصهيوني المعشّعش في مجلسي الكونغرس والشيوخ وفي الإدارة الأميركية والأوساط الفاعلة في المجتمع الأميركي واضطرته الى الاعتراف بالفشل. ففي مناسبة مرور سنة على تسلّمه سلطاته الدستورية، أدلى بتصريح لمجلة "الـتايم" الأميركية قال فيه: "لم تمضِ عملية السلام في الشرق الأوسط قدماً وأعتقد انه من الإنصاف ان أقول انّ كل جهودنا للتعامل المبكر لم تكن حيث أردت لها ان تكون، هذه مشكلة كلما سعيت الى حلّها تزداد صعوبة. ولو توقعنا قدراً من هذه المشاكل السياسية لدى الجانبين في وقت سابق لما كنا أثرنا توقعات كبيرة، أعتقد اننا بالغنا في تقدير قدراتنا على إقناعهم".
كان على الرئيس الأميركي ان يقول اننا بالغنا في تقدير قدراتنا على إقناع اسرائيل، وان يضع الملامة عليها وحدها في احباط مخططه، فهي الدولة المغتصبة للأراضي العربية في فلسطين وسوريا ولبنان، ومسؤولوها ما فتئوا يرددون في كل مناسبة انّ القدس بشطريها الغربي والشرقي ستبقى عاصمة موحدة لإسرائيل وانّ حق العودة للاجئين الفلسطينيين مرفوض، وان الجيش الإسرائيلي سيتمركز على الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية المستقبلية مع الأردن، فضلاً عن ذلك مطالبة العرب والفلسطينيين بالإعتراف بيهودية دولة اسرائيل.
في الوقت الذي كان الموفد الأميركي لا يزال في الأردن، صرّح رئيس وزرائها بنبرة متعالية في تاريخ الرابع والعشرين من الشهر الماضي في مناسبة عيد الشجرة وغرس أشتال أشجار في مستوطنات معاليه أدونيم وأريل وغوش عتصيون، متحدياً المجتمع الدولي بقوله: "رسالتنا واضحة، نحن إذ نزرع شجرة هنا نؤكد اننا سنبقى هنا وانّ هذا المكان سيكون الى الأبد جزءاً لا يتجزأ من دولة اسرائيل".
وفي الأسبوع نفسه، أدلى بتصريح الى إذاعة الجيش الاسرائيلي أكّد فيه عزمه على استحضار مليون مهاجر يهودي جديد، يسهمون في جعل اسرائيل دولة عظمى إقليمية اقتصادية ودولة عالمية تكنولوجية.
والوطن يعرّف بأنه أرض وشعب ترسّخت جذوره في هذه الأرض. لكن اسرائيل، منذ نشوئها، رفضت ولا تزال تنفيذ القرارات الدولية. استقدمت الى فلسطين الملايين من المهاجرين الأغراب الذين لا تربطهم بها، لا هم ولا أجداد أجدادهم، أيّ علاقة، واحتلت معظم أراضيها بالقوة ولا تزال مستمرة في قضم القسم الضئيل المتبقي منها. ودليل جديد على متابعتها لعملية القضم هذه، ولتستكمل خطتها في تطويق المدن الفلسطينية الكبرى وفي طليعتها القدس ونابلس ورام الله بالكتل الاستيطانية، ان الوزير بيغن الذي ينتمي الى الليكود، حزب رئيس الوزراء، وضع في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي حجر الأساس لحيّ جديد في مستوطنة بيت هاغاي في ضاحية مدينة الخليل التي تقوم ايضاً على مقربة منها مستوطنة كبرى تدعى كريات أربع، وذلك على الرغم الوعد الذي قطعه نتنياهو منذ شهرين للسيد ميتشل بتعليق عملية البناء مدة عشرة أشهر. وتعليقاً على هذا القرار قال مدير المدرسة اليهودية الحاخام أليعازر فالدمان: "لا شيء كهذا ممنوع، فالتوراة تأمرنا بالبناء في أرض اسرائيل وكذلك تفعل الصهيونية".
بالإضافة الى ذلك، فإنّ الدولة العبرية لم تكتفِ باحتلالها لهضبة الجولان السورية، بل أعلنت ضمّها رسمياً اليها، كما انها لا تزال تحتل في لبنان مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من قرية صغيرة على حدودنا الجنوبية تدعى الغجر التي عجز قائد قوات اليونيفيل الجنرال غراتسيانو وكبار معاونيه حتى الآن، على رغم المفاوضات المضنية التي أجريت بين الوفدين اللبناني والاسرائيلي، عن إقناع اسرائيل بالإنسحاب منه.
إنّ ما بيّناه أعلاه من وقائع ينبئنا مرة اخرى بأنّ اسرائيل لن تبدّل مسلكها الذي دأبت عليه منذ نشوئها. فهي دولة عنصرية عدوانية لا تعرف من القاموس السياسي سوى لغة القوة، وترفض الانصياع للقرارات الدولية. وما الحروب التدميرية المتعاقبة التي شنّتها على الدول العربية وخاصة في الفترة الأخيرة على لبنان وفلسطين إلاّ دليل ساطع على طبيعتها الإجرامية. فهي في حوارها مع المجتمع الدولي تتبع أسلوب المماطلة والمراوغة. وفي الوقت الذي تدّعي فيه انها لا تريد سوى السلام، فإنّ الشروط التعجيزية التي تطرحها قبل التفاوض مع العرب تشير الى انها تريد فرض الاستسلام عليهم باحتفاظها بالأرض وحصولها على الاستقرار والسلام.
العام الماضي، إثر فوز أوباما في الانتخابات الرئاسية، كتبت مقالاً نشرته "النهار" تحت عنوان "أوباما والتحدي الاسرائيلي"، جاء في أحد مقاطعه ما يصلح للاستشهاد به في هذا المقال: "إنّ الإدارة الأميركية تعرف جيداً ما لديها من إمكانات ووسائل في مختلف المجالات لإرغام اسرائيل أياً يكن الائتلاف الحاكم فيها، من الصقور او الحمائم، على القبول بحلّ عادل وشامل للقضية الفلسطينية. فهي من يحميها ديبلوماسيا في المحافل الدولية ويعزز قدراتها العسكرية بأحدث الأسلحة والتقنيات المتطورة، ويوفر لاقتصادها المنهار بلايين الدولارات سنوياً ، وباختصار لولا الولايات المتحدة لما تمكّنت هذه الدولة الغريبة التي زرعت في منطقة لا تمتّ اليها بأيّ صلة، من الصمود والبقاء".
لقد خاب أمل العرب بالوعود البرّاقة التي قطعها الرئيس أوباما في مستهلّ ولايته، بعد الفشل المخزي الذي مني به لتخاذله أمام رفض اسرائيل طروحاته وعدم اتخاذ أيّ إجراء ولو تحذيريا لها بأنّ الولايات المتحدة، حرصاً على مصالحها وعلى الاستقرار في منطقة استراتيجية حساسة كالشرق الأوسط، لم يعد في استطاعتها الاستمرار في دعمها اللامحدود لها الذي دأبت عليه حتى الآن، في حال بقائها على تصلّبها وعدم قبولها بشروط منطقية ومنها وقف الاستيطان وتسهيل الأمور الحياتية للفلسطينيين، هذه الشروط التي تفسح المجال لاستئناف المفاوضات معهم.
بغية الوصول الى تسوية سلمية في الشرق الأوسط، ذهب العرب في القمة العربية التي انعقدت عام 2000 في بيروت الى أقصى الحدود في تنازلاتهم حين وافقوا على مبادرة الملك عبدالله بن عبد العزيز التي تقضي بمقايضة الأرض بالسلام وبتطبيع العلاقات مع الدولة العبرية شرط انسحابها الى حدود الخامس من حزيران عام 1967.
بعد فشل أوباما وعدم إقدامه على تحدي اسرائيل وإجبارها على السير قدماً في عملية السلام في الشرق الأوسط، باتت الكرة الآن في الملعب العربي. والسؤال الذي يجدر بنا طرحه ونحن على أبواب قمة عربية تعقد بعد شهرين في العاصمة الليبية، هل ينجح العرب هذه المرة في منازلتهم وتحدّيهم للدولة العبرية؟ وهل تتوّج تلك القمة بقرارات ترتقي الى مستوى مسؤولياتهم وتلبي طموحات الأمة العربية؟
وفي طليعة تلك القرارات:
- تنقية الأجواء العربية وإتمام المصالحات وخاصة بين سوريا ومصر وبين السلطة الفلسطينية و"حماس" بغية توحيد الصف العربي،
- إخماد الحرائق المشتعلة في بعض البلدان العربية ولا سيما في العراق واليمن،
- الاتفاق على خطة متكاملة سياسياً وديبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً بغية مواجهة اسرائيل ومن يساندها بموقف صلب واحد،
- تحديد فترة زمنية لاسرائيل للإجابة عن مبادرة الملك عبدالله الواردة أعلاه والتي قال عنها انها لن تبقى مطروحة الى الأبد،
- حشد رأي عالمي لتسويق الموقف العربي وإفهام المجتمع الدولي بأنّ العرب هم طلاب سلام وليسوا هواة حروب،
- تطبيق كامل بنود الخطة المذكورة فور انتهاء المدة الزمنية المحددة أعلاه. وفي حال رفض اسرائيل لها عندها ستكون هي المسؤولة عن الكوارث المدمّرة التي ستحصدها المنطقة والعالم.
حتى الآن صدقت المقولة عن العرب بأنهم اتفقوا على ألاّ يتفقوا. فهل يدحضونها هذه المرة ويلبّوا نداء الشاعر الكبير ابراهيم اليازجي الذي قال:
"تنبّهوا واستفيقوا أيها العرب
فقد طما الخطب حتى غاصت الركب"؟
بقلم السفير اللواء الركن أحمد الحاج



