"محمد عند علماء الغرب" للدكتور محمد ياسين
ما كتبه المستشرقون تعريفاً بالاسلام اكثر بكثير مما كتبه المسلمون عن المسيحية
بقلم الأب الدكتور يوسف مونس
المقاربة الفكرية لهذا المؤلَّف الذي صدر للمرة الأولى عن "دار الاندلس" سنة 1967، وصدر مرة ثانية عن "دار الهلال" 1982، فيها الكثير من الاعجاب والامتنان، وخاصة ان الدكتور محمد ياسين ابن الشيخ خليل ياسين يعيد اليوم اصدار هذا الكتاب ويدقق به مضيفاً اليه الشروحات والمراجع. انه إغناء لمكتبتنا العربية، وثراء فكري يفتح نافذة هامّة على موضوع يشكل مصاراً فكرياً، نحن اليوم في أشد الحاجة اليه، خاصة قضية الحوار الاسلامي المسيحي ومساحاته المشتركة، والقيم الاساسية التي يتلاقى عليها المسيحيون والمسلمون وسائر الناس.
يتناول الكتاب مواضيع متعددة منها الايجابي ومنها السلبي لتاريخ علاقة الغرب المسيحي بالاسلام، ولا سيما بشخص النبي محمد. وتعجب كيف ان رجلاً لا يجيد اللغات الغربية استطاع أن يجمع هذا الكم من اقوال العلماء، أي ما يتجاوز 180 مفكراً ربط بينهم محور إشكالية العلاقة الفكرية بين الفكر الغربي والاسلام، مؤسساً وأسساً وجدلية حوار الحضارات أو تصادم الحضارات.
يذهلك هذا الكم من العلماء والمفكرين واللاهوتيين والشعراء والكتبة الذين ترجموا وكتبوا وعرفوا الاسلام بطريقة ايجابية علمية محترمة، أم بطريقة سلبية هجومية أحياناً أخرى، لكن والحق يقال ان المفكرين والمستشرقين عرفوا بالاسلام أكثر مما كتب مفكرو الاسلام عن المسيحية ولاهوتها او عن المسيح وشخصه. قليلة هي المقاربات العلمية الاسلامية عن المسيحية أو عن المسيح الا في المرحلة الاخيرة. واسمح لنفسي بان أنوه بكتابات الدكتور محمد السمّاك ومعه قلة من المفكرين لا مجال هناك لذكر أسمائهم.
لكن علينا ان ندرك كما ورد في هذا المؤلَّف "ان الاديان جميعها وعلى مرّ العصور بدأت نشأتها وتخللت مسيرتها روايات وأساطير المعجزات والعجائب... وهذا ما يسمى بالخيال الايماني".
كل الشعوب معجبة بمؤسسها وتتخيل نفسها أنها الشعب المختار والشعب المثال وهي تملك الحقيقة والهداية وقد ارسلها الله لخلاص العالم وقام اناس يدافعون عنها وآخرون يدمّرونها، هذه النمطية لا تنفرد بها جماعة دون أخرى بل كل الجماعات البشرية تعتبر نفسها مدفوعة ومرسلة من السماء لتنتشل الشعوب من الظلام أو ما تسميه الجهل والجاهلية، وتأتي بها الى نور الايمان والحقيقة. وهذا ما يدفع بها الى الدفاع عن مؤسسها وتجميل صورته ورفعها الى مقام التقديس والتمجيد. لذلك لا يعجب من هذا الجهد الكبير الذي بذله الشيخ ياسين واعاده الينا ابنه الدكتور محمد منقحاً ومضافاً اليه الكثير من الحواشي والمعلومات، حتى صار المؤلف مرجعاً نحتاج اليه في ايامنا، وقد ضربنا الجهل المعرفي وقلة الثقافة الفكرية.
كل الشعوب يهمها ان تكون رموزها في المجد Apotheose حتى يصبح الرمز هذا "الطوطم" الذي يوحِّد ويعطي الانتماء وفواصل المسموحات والمحرمات، فواصل المقدسات والمدنسات أكان ذلك على مستوى المعتقدات والشعائر والاشخاص والطقوسيات والمسافات والأزمنة المقدسة أو الطاهرة أو المدنسة.
هنا يصبح الرمز من المقدسات والمحرمات حتى يصل الى الاطباق على العقل وحرية الفكر النقدي العلمي فيقدس الحكايات والقصص والخرافات التي ولدت من مخيلة الجماعة لتعظيم صورة مؤسسها وتمجيد اعماله. وهذا مسار تمر به كل الاديان والشعوب. فزمن التفتيش ليس هو حلقة مسيحية خاصة بل هو حصيلة في صيرورة الفكر الديني عامة، من هنا أهمية الاصلاح وأهمية النقد الفكري والتاريخي والفلسفي، واهمية تطهير الذهنية الدينية في عملية تسمى تنقية العقدة Demythologisation وليس بعملية Demythysation أي تدمير مرتكز واساس العقيدة كما حدث ليسوع مع الفريسيين.
لكن الخطر يكمن في ان اصحاب المؤسسات الدينية انفسهم ينصبون نفوسهم وكلاء عن الله وحراساً له ولملكوته "فيتافين او يتالين" كما قال فيورباخ او ماركس او فرويد.
هذا هو الارهاب الفكري الديني الذي يقوم به بعض متزمتي الفكر الديني، أو بعض قراء النص المقدس بعقل سلفي حرفي، ناكرين التفسير والاجتهاد وعلم الدلالة والفقه، وناكرين قيمة العقل الذي اعطانا اياه الله طالباً منا ان "نقرأ" أي أن نفسر وان نعرف ونتنوّر لنعرفه اكثر ولنحبه اكثر ونشهد له بالمحبة وليس بالاصوليات المستحدثة، والسلفيات أو الظلاميات الجديدة، خائفة من العقل والتأويل والتنوير. من هنا هذا الغرق بالدم وقطع رؤوس الناس باسم الدين وقتل الابرياء باسم الغيبيات والخرافات، وإسناد مشروعية الحق بالاعتداء على الحياة التي هي من الله، وعلى قراءة خاطئة للنص المقدس. علينا الخروج من هذه الظلامية والسلفية والشروع بنقد منهجي يطهر المقدس ولا يدمره، أو يرفعه الى مستوى الخراف الساذجة.
لذلك فكل مؤسس يناله من مؤيديه ومحبية وعارفيه، هالة من التمجيد والحب والاحترام والاعجاب، كما يناله من خصومه سيل من الشك والسخرية والاستهزاء والتدمير. لذلك رأينا الغضب الذي اصاب المسلمين عندما صُوّر النبي بطريقة كاريكاتورية أو عندما صوّر المسيح على الصليب وهو بجسد امرأة.
هذا الكتاب أثارني بكثرة الاسماء والمعلومات الواردة فيه "لاهوتيون مبشرون مستشرقون، مؤرخون، علماء أدباء، شعراء، مفكرون، فلاسفة، كل هؤلاء كانت لهم آراؤهم ومواقفهم المختلفة حيال نبي الاسلام محمد".
وإن نقصت المراجع أحياناً أو التواريخ أو أسماء دور النشر أو السنة التي طبع فيها المؤلف أو المدينة التي نشر فيها أو الترتيب الزمني كما هو وارد مثلاً في بعض الصفحات. فإن الكتاب لا يبعد عن الاثارة والجاذبية.
وإن كان عندي فسارة أخرى للزمن الذي يقال له الزمن الوثني فأنا أعتبره زمن الوحي والايمان لكن دون الوصول الى التنزّه الإلهي والانتروبومورفيا بل البقاء في Anthropomorphisme وفسارة أخرى لما يسمى بـ"الجاهلية" فهي من زمن الكشف الاول للعقل البشري عن سر الوجود الإلهي في كثافة المادة الحجرية (الاصنام أو الاوثان) أو الخشبية أو الكونية أو الطبيعية (جبال وأنهار وعواصف ونجوم وكواكب) فـ"الوثنية" ليست كفراً وإلحاداً بل هي درب التحضير ليبلغ الانسان سر البقاء بالله عندما ينعم الله عليه بالوحي وبالبشارة لمعرفة شخصه وحضوره.
وتتدفق عليك الاسماء بطريقة تذهلك، كيف أتى بها هذا الشيخ الجليل خليل ياسين وهو غير ملم باللغات الاجنبية، وتقرأ وكأنك عدت طالباً تدرس في الجامعة تاريخ الفكر الديني واللاهوتي من توما الأكويني الى دانتي الى مارتن لوثر الى باسكال الى عصر النهضة الى كانت الى مونتسكيو الى ليسينغ الى هيغل الى نيتشه الى كارليل الى... الى...
وتأتي مؤلفات المستشرقين وبأجمل ما فيها حتى تصل الى جاك بيرك وأندره شواركي ورجيس بلاشير.
واسمحوا لي أن أقرأ هذا النشيد الرائع لإلكسندر بوشكين شاعر روسيا الأكبر:
انحنى الملاكُ على فمي
وانتزع لساني الآثم
الخامل المراوغ
وبيده اليمنى المضرجة
وضع في فمي المشدود
حدّ الحية الحكيمة
وشق صدري بسيفه
واقتلع قلبي المرتجف
وأقحم في صدري المشقوق
جذوة متأججة النيران
وناداني صوت الله
انهض يا رسول وابصر
لبِّ إرادتي
وجُب البحار والاراضي
وألهب بدعوتك قلوب الناس.
ثم يأتي تولستوي فتبان معه القيم الكبرى في القناعة والزهد والعدالة والمحبة والكمال والانسان والعمل.
بعد هذا الفيض من الغوص في الفكر الغربي الاوروبي وبأجمل ما فيه من كتابات أو بأقسى ما عنده من نقد وشجب، لا يهمل المؤلف ما صدر في الفكر الشرقي مبتدئاً بنجيب عازوري، وخليل إسكندر قبرصي، وأمين الريحاني، وبولس سلامة، وجبران، ونصري سلهب، وشبلي الشميل، وإدمون رباط ومارون عبود.
لنصل معه الى أن الحوار الحضاري هو الشهادة أن الناس كلهم عيال الله، ولو شاء ربك لخلقهم واحداً لكنه خلقهم ودعاهم "لتعارفوا" وهو الفصل الاخير من هذا الكتاب إنه الحوار الاسلامي المسيحي.
إنها النتيجة الحتمية لهذا الكشف أو الدعوة القائلة: "لتعارفوا" تواصلوا تحاوروا لتكونوا شهوداً للحب والاحترام وحق الاختلاف والانوجاد، ولا انوجاد إلاّ في المحبة أو بقبول الآخر. لأن كل عدمية وإلغاء للآخر وهو إلغاء للذات، وهدم عمليات الاغتناء بالآخر. لأنه يمكننا القول: أنا أحاور فإذاً أنا موجود، وأنا موجود لأنني في المحبة، وأنا أدعو الى سبيل ربي بالحكمة والموعظة الحسنة كما ورد في "سورة النحل" وأعرف أن لا إكراه في الدين، "سورة البقرة"، وأنا أدعو الى كلمة سواء، "آل عمران".
ويعود فيض الاسماء والمراجع مع سولوفيسوف، ولويس ماسينيون والدعوة الى التعمق بالحوار الديني انطلاقاً من "التقليد الابرهيمي".
ونسيان الماضي خاصة مع لويس غارديه.
ويحدث انقلاب "كوبرنيكي" في قرارات المجمع ووثائق الفاتيكان أو الرسائل البابوية اللاحقة.
والتفكير اللاهوتي الحديث مع هانس كونغ ومع موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين.
في مشروع للحوار جديد وكأنه يعود الى ما أسسه الارشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" بالعلاقة بين المسيحية والاسلام "أو نادى به بطاركة الشرق قائلين أن في كل مسيحي شيئاً من الاسلام وأنّ في كل مسلم شيئاً من المسيحية ونحن مسؤولون عن بعضنا البعض أمام الله والناس".
وفي النهاية شكراً لدار "العلم والحكمة" التي دعتنا الى هذه الوليمة الرائعة... والى التعرف الى هذا التراث الفكري الذي نحتاج اليه اليوم وقد كدنا نغرق بالأحقاد والظلامية ونحن مولودون في أحضان الله الرحمن الرحيم ومن نعمة المحبة والمصالحة خاصة في لبنان وفي زمن القيامة هذا.
(امين سر اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام الكاثوليكية في لبنان)



