تعز تحت الحصار والرياض تحشد حلفاءها... لمن تميل كفّة الحرب؟
بين الضغط العسكري المتواصل على تعز وتسارع تحركات السعودية خارج حدود اليمن، تبدو الحرب مقبلة على مرحلة جديدة تتداخل فيها الجبهات المحلية مع حسابات إقليمية أوسع.
ففي الوقت الذي يواصل فيه الحوثيون الضغط على مدينة تعز ومحيطها، تعمل الرياض على توسيع شبكة الدعم العسكري والدفاعي والاستخباراتي مع عدد من الحلفاء، في محاولة لتعديل ميزان المواجهة ومنع الحوثيين من فرض وقائع جديدة على الأرض.
نتائج ميدانية متفاوتة
وتبقى تعز واحدة من أكثر الجبهات حساسية في المشهد اليمني. فخلال الأسابيع الماضية، شدّد الحوثيون ضغطهم على المدينة وطرقها الرئيسية، ما عقّد حركة الإمدادات وفاقم الأزمة الإنسانية، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات على أطرافها ومحاولات القوات الحكومية كسر الطوق واستعادة الممرات الحيوية.
ولم يستعد الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن حركته الطبيعية والمستقرة، فيما انعكس التصعيد مباشرة على السكان، مع ارتفاع كلفة النقل وتراجع إمدادات الوقود والغذاء والمساعدات الإنسانية، واتساع موجة النزوح، في وقت يواجه فيه مئات الآلاف صعوبات متزايدة في الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وفي الساحل الغربي وباب المندب، بدت الصورة مختلفة نسبياً، إذ أحرزت القوات الحكومية تقدماً في عدد من المناطق بعد مواجهات مع الحوثيين، مستفيدة من دعم جوي سعودي. ويكتسب هذا التقدم أهمية مضاعفة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لباب المندب وارتباطه بأمن الملاحة الدولية ومسارات التجارة في البحر الأحمر.
ويرى المحلل السياسي اليمني وائل شائف، في حديث لـ"النهار"، أن التحركات السعودية الأخيرة تعكس محاولة واضحة للانتقال من إدارة المواجهة بصورة منفردة إلى بناء مظلة أوسع من الدعم الإقليمي والدولي، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات وحماية الملاحة.
ويعتبر أن هذا التحول يحمل وزناً سياسياً وعسكرياً، لكنه لم ينتج حتى الآن تغييراً حاسماً في ميزان القوى داخل اليمن، إذ لا يزال الحوثيون يحتفظون بقدرة كبيرة على المناورة والضغط في بعض الجبهات، إلى جانب استمرار استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويضيف شائف أن نجاح الرياض سيُقاس بقدرتها على تحويل هذه التفاهمات من إجراءات دفاعية إلى تنسيق ميداني مستدام، يدعم القوات اليمنية ويحمي طرق الإمداد ويمنع الحوثيين من تثبيت مكاسب جديدة.

شراكات وحدود التدخّل
وخارج اليمن، اتسعت في الأسابيع الأخيرة دائرة الاتصالات السعودية مع عدد من الشركاء الإقليميين والدوليين، وشملت تعاوناً دفاعياً واستخباراتياً مع الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب تعزيز التنسيق مع تركيا وباكستان في ملفات الدفاع الجوي والدعم اللوجستي وأمن البحر الأحمر وباب المندب.
ويبرز في هذا السياق "اتفاق مكة" للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الموقّع في 7 آب/أغسطس الماضي، والذي بدأت أنقرة إجراءات المصادقة البرلمانية عليه.
وتكشف هذه التحركات عن توجه سعودي لبناء شبكة دعم أوسع، في ظل امتداد التهديد الحوثي من جبهات القتال داخل اليمن إلى الملاحة والمنشآت الحيوية ومسارات التجارة الإقليمية.
ويقول رئيس تحرير موقع "كريتر سكاي" ماهر درهم، في حديث لـ"النهار"، إن اتساع الاتصالات السعودية لا يعني بالضرورة تشكّل تحالف هجومي جديد بالمعنى التقليدي، إذ لا تزال مواقف الأطراف المشاركة متفاوتة بين من يقدم دعماً دفاعياً واستخباراتياً، ومن يفضّل تجنّب الانخراط المباشر في الحرب داخل اليمن.
ويرى درهم أن الرياض تحاول رفع كلفة الهجمات الحوثية وتوسيع دائرة الحلفاء، مع الحفاظ على هامش سياسي يمنع انزلاق الصراع إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
ويلفت إلى أن التقدم في باب المندب يُظهر قدرة الغطاء الجوي والتنسيق الخارجي على تحقيق نتائج ميدانية، إلا أن استمرار الضغط في تعز يؤكد أن هذه النتائج لا تزال جزئية ومتفاوتة بين الجبهات.
وحتى الآن، تبدو التحركات السعودية أسرع من نتائجها الميدانية. فشبكة الشراكات تتسع، والتنسيق الدفاعي والاستخباراتي يتقدم، بينما لا يزال ميزان القوى على الأرض يتحرك ببطء وتفاوت.
ويبقى التحدي أمام الرياض وحلفائها في تحويل هذا الزخم السياسي والعسكري إلى ترتيبات عملياتية ثابتة، قادرة على وقف التقدم الحوثي وتغيير ميزان القوى داخل اليمن بصورة مستدامة. فالتقدم في باب المندب يمنح القوات الحكومية فرصة لتعزيز مواقعها، لكن استمرار الحصار والضغط العسكري على تعز يُظهر حجم الصعوبات التي لا تزال تعترض تغيير مسار الحرب.
نبض
