اليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي: التوافق السعودي – الإماراتي مسار جدي لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية
لا تنحصر المنافسة الإقليمية في السيطرة العسكرية، بل تمتد إلى مسارات التجارة والطاقة والنقل التي تؤثر في موقع دول المنطقة في الاقتصاد العالمي وموازين النفوذ.
نزيه الخياط*
لم تعد الأزمة اليمنية قابلة للفصل عن التحولات التي تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. فموقع اليمن عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وإشرافه على مضيق باب المندب، يجعلان السيطرة على سواحله وجزره قضية تتجاوز حدوده، لتطاول أمن الخليج وفي مقدمه السعودية ومصر والتجارة الدولية وتوازنات القوى الإقليمية.
وقد اكتسب هذا البعد خطورة إضافية مع وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون التي تتوسط مضيق باب المندب، في أيلول/سبتمبر 2026، وفق مصادر في الحكومة اليمنية، بما يعزز قدرتهم على التأثير في أحد أهم شرايين الملاحة العالمية. وهنا يصبح اليمن اختباراً للانتقال من سياسة احتواء التهديدات إلى بناء قدرة إقليمية على الردع، ومن إدارة أزمة ممتدة إلى معالجة أسبابها السياسية والعسكرية والاستراتيجية.
أولاً: أمن الخليج والمقدسات الإسلامية يبدأ من استعادة الدولة اليمنية الاتحادية
يشكل التقارب السعودي– الإماراتي فرصة لإعادة تنسيق الجهود في اليمن، على أن يتجاوز المصالح الثنائية إلى رؤية مشتركة لاستعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومنع تحول أراضيها إلى منصة دائمة لتهديد المقدسات الاسلامية والأمن القومي لدول الجوار، وفي مقدمها السعودية، وتهديد الملاحة الدولية.
فالمشكلة لا تختصر في مواجهة الحوثيين، بل في توظيف قوتهم العسكرية من ضمن شبكة النفوذ الإيراني. ولا يتحقق الاستقرار المستدام باحتواء التهديد من دون معالجة مصادره، بما يتوافق مع الأسس العربية والدولية سياسياً وعسكرياً لاستعادة الشرعية اليمنية وسيادة الدولة.
ولا ينبغي أن يتحول إنهاء تهديد الحوثيين للسعودية والممرات البحرية إلى غاية عسكرية منفصلة عن التسوية السياسية؛ فالهدف قيام دولة يمنية اتحادية تبسط سلطتها، وتؤمّن سواحلها، وتمنع استخدام أراضيها في صراعات إقليمية بالوكالة. وإلا بقيت الترتيبات الأمنية عرضة للانتكاس.
ثانياً: الأمن القومي المصري بين القرن الأفريقي ومعادلة البحر الأحمر
تفرض جغرافيا باب المندب ارتباطاً عضوياً بين أمن الخليج والأمن القومي المصري. فأي اضطراب مستدام في البحر الأحمر ينعكس على حركة التجارة وقناة السويس، ويزيد الضغوط الاقتصادية والاستراتيجية على مصر التي تواجه أيضاً تحدياً مائياً بالغ الأهمية بفعل تداعيات سد النهضة الإثيوبي. ويتصل بذلك الطموح الإثيوبي إلى امتلاك منفذ بحري خاضع لسيادتها، بما يتجاوز التسهيلات التجارية إلى السعي لامتلاك موطئ قدم سيادي على الساحل، الأمر الذي يضيف بُعداً جديداً إلى التنافس على النفوذ وتوازنات الأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، يكتسب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال وتوسيع علاقاتها معها أهمية تتجاوز العلاقة الثنائية. فأرض الصومال تقع على خليج عدن قبالة الساحل اليمني، في موقع يتيح لأي تعاون أمني متقدم فيها قيمة استراتيجية محتملة في مراقبة الممرات البحرية والتأثير في معادلات القرن الأفريقي.
وقد أقر مسؤولون في أرض الصومال بوجود تعاون إسرائيلي في تدريب قوات الشرطة والجيش، فيما نفى وزير دفاعها، في حزيران/يونيو 2026، وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية أو مفاوضات معلنة لإقامتها. لذلك، فإن قراءة هذا التطور بوصفه مصدر قلق استراتيجي للسعودية ومصر تستند إلى الموقع وطبيعة التعاون، لا إلى افتراض وجود قاعدة عسكرية مثبتة.
أما سد النهضة، فيمثل تحدياً قائماً للأمن القومي والمائي المصري، ويستدعي مقاربة ديبلوماسية وقانونية واستراتيجية ردعية متكاملة. وقد تتقاطع حوله مصالح إقليمية ودولية متعددة، لكن فرضية وجود خطة إسرائيلية مباشرة لتطويق مصر مائياً تستند إلى استنتاجات جيوسياسية مرتبطة بالإعلان عن مشروع "إسرائيل الكبرى". والمطلوب هو ربط الأمن البحري بالأمن المائي من ضمن رؤية مصرية وعربية ردعية أشمل.
ثالثاً: المجال الحيوي التركي – القطري المشترك وآفاق توسيع شبكة الردع الخليجي
تدخل تركيا في هذه المعادلة بوصفها قوة إقليمية تمتلك قدرات عسكرية وصناعات دفاعية، وشبكة علاقات ممتدة من الخليج العربي إلى أوروبا وشمال أفريقيا. كما يشكل تعاونها الدفاعي مع قطر قاعدة لتطوير التنسيق وحماية الممرات البحرية ومواجهة المخاطر العابرة للحدود.
وفي 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وقعت تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية والتدريب والبحث والتطوير. ويعكس ذلك اتجاهاً نحو توسيع الشراكات الدفاعية، من دون أن يعني قيام تحالف موحد ذي التزامات دفاعية مشتركة بين جميع أطرافه.
وتكمن الفرصة في تقاطع هذه الشراكات مع المصالح السعودية والإماراتية والمصرية، في ظل تفاعل الضغوط الأميركية على إيران مع استمرار الهجمات الحوثية على السعودية، وما أثارته الهجمات التي استهدفت مكة المكرمة والمدينة المنورة من غضب شعبي وديني واسع. ويضيف الإغلاق الكامل للمعابر البرية الإيرانية مع باكستان وأفغانستان وأذربيجان وتركيا، وتكدّس نحو 17 ألف شاحنة إيرانية، بُعداً جديداً إلى هذه الضغوط، إذ ينقل المواجهة إلى المجال التجاري واللوجستي في الداخل الإيراني مباشرة، ويفتح الباب أمام تضييق خانق لمنافذ الحركة البرية الإيرانية يتكامل بالتوازي مع الضغوط السياسية والأمنية.
ومن شأن تضافر هذه العوامل أن يضيّق هامش المناورة أمام طهران، وأن يوسّع أدوات الردع السياسي والاقتصادي واللوجستي إلى جانب التنسيق الدفاعي. غير أن تحويل هذه التقاطعات إلى منظومة إقليمية ردعية فاعلة يظل رهناً بتحديد نظام المصالح المشتركة المتبادلة وآليات التشاور وقواعد العمل، واحترام سيادة الدول، من دون افتراض تطابق سياسات الأطراف أو اكتمال مقومات محور موحد.
رابعاً: الممرات الاقتصادية الخليجية – المشرقية وإعادة توزيع النفوذ الإقليمي
لا تنحصر المنافسة الإقليمية في السيطرة العسكرية، بل تمتد إلى مسارات التجارة والطاقة والنقل التي تؤثر في موقع دول المنطقة في الاقتصاد العالمي وموازين النفوذ. فمن باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس إلى الخليج وشرق المتوسط، تتقاطع الممرات البحرية مع مشاريع الطرق والسكك الحديد وخطوط النفط والغاز، لتصبح الجغرافيا الاقتصادية امتداداً للأمن والاستراتيجية.
وفي هذا السياق، يمكن لتطوير مسارات تربط السعودية بالأردن وسوريا والعراق وتركيا، وصولاً إلى أوروبا، أن يوسّع خيارات النقل والطاقة ويعزز الترابط الاقتصادي بين الخليج والمشرق. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى شبكة متكاملة يظل رهناً بالاستقرار السياسي، وتوافر التمويل والبنية التحتية، والتفاهمات العابرة للحدود. كما أن هذه المسارات لا تلغي أهمية قناة السويس، بل قد تكمل دورها أو تعيد توزيع بعض تدفقات التجارة ومراكز النفوذ الإقليمي.
ولا يعني تقاطع المصالح الاقتصادية بالضرورة نشوء اصطفافات سياسية جديدة، كما لا يمكن فصل أي ترتيبات إقليمية عن القضية الفلسطينية وشروط الدول المعنية بعلاقاتها مع إسرائيل. فالجغرافيا تفتح مسارات جديدة للتعاون والتنافس، لكن تحويلها إلى نفوذ مستدام يظل رهناً بالقرارات السياسية والقدرة على بناء شراكات متوازنة.
الاستنتاج: من إدارة الأزمات إلى أمن إقليمي مشترك
تلتقي هذه الملفات عند حقيقة استراتيجية واحدة: إن أمن اليمن يرتبط بأمن الخليج ومصر والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وإن حماية الممرات البحرية تستلزم معالجة التنافس على النفوذ وفتح آفاق التكامل الاقتصادي.
ويكمن التحدي في تحويل تقاطع المصالح إلى منظومة إقليمية مؤسسية تجمع الردع والديبلوماسية والأمن البحري والتكامل الاقتصادي، بما يتيح الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى بناء توازن أكثر استقراراً، تكون فيه الدولة الوطنية أساس الأمن، لا ساحة لتصفية الصراعات بالوكالة.
*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض