سبعون الذاكرة والمجد... بعلبك تستعيد في عجلتون سحر المهرجانات
قبل سبعين عاماً، لم تُثنِ أزمة السويس جان كوكتو عن المجيء إلى الشرق، مفتوناً بمعابد بعلبك، حيث قدّم "الآلة الجهنمية"، في واحدة من الليالي التي أسهمت في رسم هوية المهرجان الناشئ.
أما هذا العام، فقد حالت ظروف الحرب دون إقامة مهرجانات بعلبك الدولية في موطنها الأثري، في الذكرى السبعين لتأسيسها، لكنّ الغياب لم يمنع الاحتفال، بل نقل الذاكرة من مدينة الشمس إلى عجلتون.
ذاكرة بعلبك تتحدّى الحرب
هناك، على الطريق التاريخية التي كانت تصل بيروت بالمعبد الكبير، أقامت فرقة "الأوتار الرنّانة" بالتعاون مع بلدية عجلتون، الليلة، عرض "وينا ناي؟!" (أين ناي؟)؛ أمسية جمعت الموسيقى والمسرح والغناء، واستعادت رحلة كوكتو إلى لبنان عام 1956 كمدخل إلى تأمّل مسيرة مهرجانات عرفت التألّق والمجد، وواكبت أفراح لبنان وأحزانه.

وبينما غابت العروض هذا الصيف عن حجارة بعلبك، حضرت روحها في عجلتون من خلال أعمال كلاسيكية ولبنانية ونصوص شعرية ومسرحية نبشت في الحنين والفقد والذاكرة. وإذا كانت الحرب قد حجبت المسرح الكبير، فإنها لم تقوَ على صدى الليالي الساحرة.
من آلهة كوكتو الجهنمية، استمدّ العرض فكرته واسمه. في "وينا ناي؟!" (أين هي ناي؟)، يجلس الشاعر والكاتب والمسرحي الفرنسي منهمكاً إلى مكتبه، مكرّراً النداء: "وينا ناي؟!"، فيما يخطّ مشهداً مخصّصاً لـ"ناي"، الشخصية-الرمز، التي تختزل الإنسان والجمال والذاكرة.

مفضّلاً تجنّب الاستعادة التاريخية المباشرة، قدّم العمل تحية فنية حرّة إلى مهرجانات بعلبك الدولية، من خلال رؤية جماعية وضعتها مجموعة من خمسة فنانين، ابتكرت العرض وقادته ونفّذته، وهم: جو ضو، إيلي صفير، تابيري غزيريان، نوح مقدّم وحسن مخزوم.
من "كارمن" وفيردي إلى جبران وفيروز
المقدمة من أوبرا "كارمن" لجورج بيزيه، تبعتها أنغام أوبرا "نابوكو" لجوزيبي فيردي. وحضر جبران خليل جبران من خلال قصيدة "المحبة" التي تغنّت بها السيدة فيروز بلحن للأخوين عاصي ومنصور الرحباني، قبل الانتقال إلى قصيدته "أعطني الناي وغنِّ" بلحن نجيب حنكش.

وفي العرض نصٌّ لوجدي معوّض بعنوان "هل تسمع صوتي؟"، تحيةً إلى جان-لويس مانغي، صائغ المشاهد البعلبكية الذي رحل قبل عامٍ، إلى جانب الحركة الأولى من السمفونية الأربعين لموزارت، ومقطوعة "نمرود" من "تنويعات إنغما" للمؤلف البريطاني إدوارد إلغار.
أما المناسبة، فتجد صداها المباشر في عمل جديد للمؤلف رمزي قندلفت وُضع خصيصاً للذكرى السبعين لمهرجانات بعلبك الدولية. واختُتم البرنامج بشعرٍ لإلياس أبو شبكة، "أرْجِعْ لنا ما كان"، يقدّمه إياد كنعان.

لم يكن للأمسية أن تكتمل من دون فاديا طنب الحاج في الغناء، وسمير نصر الدين على العود، والممثل نوح مقدّم في دور جان كوكتو، والكاتب والمسرحي حسن مخزوم، إضافة إلى جوقة جامعة سيدة اللويزة وفرقة "الأوتار الرنّانة"، بقيادة جو ضو الذي تولى أيضاً الإدارة الفنية للعرض وقيادة الأوركسترا.
هذه الليلة، حضرت بعلبك بمهرجاناتها وبذاكرتها؛ ذاكرة زمنٍ خرجت فيه الحجارة من صمتها، وتعانق المسرح والموسيقى والشعر تحت أعمدتها، فغدت المدينة خشبةً يطلّ منها لبنان على العالم.
نبض