جائزة غونكور الأدبية تتوّج الروائي الفرنسي فيليب جينادا في دورتها لعام 2026

ثقافة 04-11-2026 | 12:44

جائزة غونكور الأدبية تتوّج الروائي الفرنسي فيليب جينادا في دورتها لعام 2026

حصد الكاتب الفرنسي فيليب جينادا أرفع الجوائز الأدبية الفرنسية، في دورة رافقها جدل واسع حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة الأدبية.
جائزة غونكور الأدبية تتوّج الروائي الفرنسي فيليب جينادا في دورتها لعام 2026
الروائي الفرنسي فيليب جينادا، الفائز بجائزة غونكور لعام 2026. (FNAC)
Smaller Bigger

تُوّج الروائي الفرنسي فيليب جينادا بجائزة غونكور الأدبية لعام 2026 عن روايته "L'Inconnue du quai de Javel" (مجهولة رصيف جافيل)، الصادرة عن دار "فلاماريون"، والتي يعود فيها إلى جريمة قتل غامضة شهدتها باريس عام 1949. وأعلنت أكاديمية غونكور اسم الفائز، الثلاثاء 3 تشرين الثاني/نوفمبر، من مطعم "دروان" الشهير في العاصمة الفرنسية، حيث يُكشف تقليدياً عن الفائزين بهذه الجائزة.

جاء فوز جينادا (62 عاماً) من الجولة الأولى للتصويت، بعدما حصل على ستة أصوات مقابل ثلاثة للروائي سيلفان برودوم، الذي نافسه برواية "De l'autre côté du lac". وبهذا التتويج، يخلف جينادا الكاتب لوران موفينييه، الفائز بالجائزة عام 2025 عن روايته  "La Maison vide".

ويحمل الفوز أهمية خاصة في مسيرة الكاتب، الذي سبق له أن وصل إلى قوائم غونكور أربع مرات من دون أن ينالها. وقد وجد طريقه إليها هذه السنة من خلال رواية تقع في 528 صفحة، تجمع التحقيق التاريخي بالسرد الأدبي، وتعيد إلى الواجهة قصة امرأة عاشت في باريس ما بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن تنتهي حياتها في ظروف لم تنجح الشرطة في كشف ملابساتها.

 

الروائي الفرنسي فيليب جينادا خلال احتفاله بالفوز بجائزة غونكور لعام 2026 في باريس، حاملاً روايته الفائزة. (توماس سامسون – أ ف ب)
الروائي الفرنسي فيليب جينادا خلال احتفاله بالفوز بجائزة غونكور لعام 2026 في باريس، حاملاً روايته الفائزة. (توماس سامسون – أ ف ب)

 

جريمة قديمة تعود إلى الواجهة

تبدأ القصة في أيلول/سبتمبر 1949، حين عُثر على جثة شابة قرب رصيف جافيل على ضفاف نهر السين في باريس. كانت الضحية ليز، المعروفة باسم لويز كانسو، البالغة من العمر 29 عاماً، والمتحدرة من منطقة بريتاني الفرنسية، قد انتقلت إلى العاصمة وعملت عارضة لدى عدد من رسامي حي مونبارناس، حيث أصبحت من الوجوه المطلوبة في الأوساط الفنية.
وبعد العثور على جثتها، باشرت الشرطة تحقيقاً برز خلاله أربعة مشتبه بهم، قبل أن يُغلق الملف بعد ستة أشهر من دون التوصّل إلى تحديد القاتل.
بعد أكثر من سبعة عقود، عاد جينادا إلى القضية، متتبّعاً آثار المرأة التي لم يبقَ من حياتها سوى وثائق متناثرة وصور وشهادات. واستعان بالمحفوظات القضائية والصحف القديمة، وزار الأماكن التي عاشت فيها، محاولاً إعادة تركيب تفاصيل حياتها والعلاقات التي نسجتها والأحداث التي سبقت مقتلها.
لم يقتصر اهتمامه على البحث عن المسؤول عن الجريمة، إذ انشغل بصورة خاصة بشخصية لويز نفسها، وبالطريقة التي اختُزلت بها حياتها في ملف جنائي. ومن خلال هذا البحث، تتكشف أيضاً ملامح مجتمع فرنسي كانت فيه الأحكام الاجتماعية المرتبطة بالمرأة وطبقتها تؤثر في النظرة إليها، حتى بعد موتها.
وفي تعليقه على الرواية، أشاد رئيس أكاديمية غونكور، فيليب كلوديل، بقدرة الكاتب على إعادة الاعتبار إلى امرأة تعرّضت للتهميش، مشيراً إلى أن الشرطة لم تمنح قضيتها الاهتمام الذي كانت تستحقه.

 

غلاف رواية L'Inconnue du quai de Javel للكاتب الفرنسي فيليب جينادا، الفائزة بجائزة غونكور لعام 2026. (دار فلاماريون)
غلاف رواية L'Inconnue du quai de Javel للكاتب الفرنسي فيليب جينادا، الفائزة بجائزة غونكور لعام 2026. (دار فلاماريون)

 

 

فيليب جينادا... روائي يفتّش في الأرشيف

ليس انشغال جينادا بالجرائم القديمة جديداً في تجربته الأدبية؛ فمنذ روايته "Sulak" الصادرة عام 2013، اتجه نحو كتابة أعمال تستند إلى وقائع حقيقية وتحقيقات مطوّلة، مستعيداً ملفات قضائية وشخصيات ارتبطت بأحداث جنائية أثارت اهتمام الرأي العام الفرنسي.
وقد كرّس هذا التوجّه في روايات لاحقة، أبرزها "La Petite Femelle"، عام 2015، و"La Serpe" التي منحته جائزة فيمينا الأدبية عام 2017، وصولاً إلى "Au printemps des monstres" عام 2021.
تتميّز كتابته بمزج البحث الوثائقي بالسرد الشخصي، إذ يحضر الكاتب داخل النص، ويروي للقارئ مسار تحقيقه، بما فيه من اكتشافات وأسئلة وتفاصيل يومية واستطرادات ساخرة. وهو أسلوب يمنح أعماله طابعاً خاصاً، حيث تصبح رحلة البحث جزءاً أساسياً من الحكاية.
في روايته الفائزة، استلهم جينادا منهج المفتش ميغريه، الشخصية البوليسية الشهيرة التي ابتكرها الكاتب جورج سيمنون، بعدما قرأ أو أعاد قراءة رواياته الخمس والسبعين. وكان هدفه الاقتراب من القضية عبر فهم حياة الضحية ومحيطها، قبل محاولة الوصول إلى تفسير لمقتلها.
توصّل الكاتب، بعد سنوات من البحث، إلى فرضية بشأن هوية القاتل، مستنداً إلى الوثائق التي جمعها والتناقضات التي رصدها في التحقيق الأصلي. ومع ذلك، تبقى النتيجة استنتاجاً قدّمه في عمله الأدبي، من دون حسم قضائي جديد.

 

غونكور... عشرة يوروهات تصنع مجداً أدبياً

تُعدّ جائزة غونكور من أعرق الجوائز الأدبية الفرنسية وأكثرها تأثيراً في حركة النشر والقراءة. انطلقت عام 1903، تنفيذاً لوصية الكاتب إدمون دو غونكور، الذي أراد إنشاء أكاديمية أدبية تمنح تقديراً سنوياً للأعمال الروائية المكتوبة باللغة الفرنسية.
وعلى الرغم من أن قيمتها المالية لا تتجاوز العشرة يوروهات رمزية، فإن أهميتها تكمن في المكانة الأدبية التي تمنحها للفائز، وما يرافقها عادة من ارتفاع كبير في مبيعات الرواية، واتساع انتشارها، وزيادة فرص ترجمتها إلى لغات أخرى.
يُعلَن اسم الفائز بالجائزة سنوياً في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر، بعد مراحل متتالية من الاختيار وصولاً إلى قائمة نهائية تضم أربع روايات. ومنذ عام 1914، ارتبطت الجائزة بمطعم "دروان" في باريس، الذي أصبح إعلان النتائج فيه جزءاً من تقاليد الحياة الأدبية الفرنسية.
على امتداد أكثر من قرن، أسهمت غونكور في ترسيخ مكانة عدد من أبرز الأسماء الأدبية، من مارسيل بروست إلى سيمون دو بوفوار ومارغريت دوراس، وصولاً إلى الكتّاب المعاصرين. وبات إعلان نتائجها حدثاً يتجاوز الأوساط الأدبية، نظراً إلى قدرته على التأثير في حركة سوق الكتاب الفرنسي وتوجّهات القراء.

 

جدل الذكاء الاصطناعي يرافق دورة 2026

لم تكن دورة هذا العام بعيدة من الجدل، بعدما وجدت أكاديمية غونكور نفسها أمام سؤال يتزايد حضوره في عالم النشر: إلى أي مدى يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الأعمال الأدبية من دون المساس بأصالتها؟
ففي 25 أيلول/سبتمبر الماضي، أعلنت الأكاديمية سحب رواية "C'était ça ou mourir" للكاتب الكندي من أصل هايتي تيليسون أوريليان من قائمة المرشحين، عقب اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابتها، إلى جانب اتهامات بالانتحال تتعلق بنصوص سابقة له.
نفى أوريليان استعانته بالذكاء الاصطناعي في تأليف روايته، في وقت أثارت فيه القضية نقاشاً واسعاً حول صدقية أدوات الكشف عن النصوص المولّدة آلياً، وحدود المسؤولية الأدبية للكاتب والناشر، وما إذا كانت هذه الوسائل كافية لإصدار أحكام حاسمة على أصالة الأعمال.
وأوضحت أكاديمية غونكور أن قرارها جاء حرصاً على نزاهة الجائزة ورسالتها في تكريم الأدب الذي يكتبه البشر. كما أعلن رئيسها، فيليب كلوديل، التوجّه إلى تعديل نظامها الداخلي قبل نهاية العام، بهدف النص صراحةً على أن الجائزة مخصّصة للأعمال التي يكتبها الإنسان.
المفارقة أن جينادا نفسه لم يُخفِ استعانته بالذكاء الاصطناعي خلال إعداد روايته الفائزة. فقد لجأ إلى برنامجي "ChatGPT" و"Claude" لطرح أسئلة تتصل بتفاصيل تحقيقه، وأدرج بعض هذه الحوارات في صفحات الرواية، مستفيداً منها في المقارنة بين الحياة في عام 1949 والعصر الحالي، مع ما يميّز أسلوبه من سخرية واستطرادات.
وفي مقابلة صحافية، أوضح جينادا بأن استخدامه هذه الأدوات جاء في إطار اهتمامه بمرور الزمن والتغيّرات التي طرأت على الحياة اليومية، مؤكداً في الوقت نفسه قناعته بأن الآلة لا تستطيع امتلاك التجربة الإنسانية والذاكرة الشخصية اللتين تغذّيان الكتابة الأدبية.
ويكشف التباين بين الحالتين جانباً من النقاش الذي يواجهه الوسط الأدبي اليوم. فثمة فرق بين أن يستخدم الكاتب التكنولوجيا أداةً للبحث أو الحوار، وأن يتولّى النظام الآلي إنتاج العمل الإبداعي نفسه، وهو فارق لم تستقر بعد معاييره بصورة نهائية في عالم النشر.

 

حين يستعيد الأدب حياة المنسيين

يحمل تتويج جينادا بعداً يتجاوز نجاح رواية تنتمي إلى أدب الجريمة. فهو يسلّط الضوء على شكل من الكتابة الروائية التي تستعين بالأرشيف لمراجعة الروايات القديمة للأحداث، وإعادة النظر في مصائر أشخاص لم يحظوا باهتمام التاريخ.
وبعد 77 عاماً على مقتلها، تعود لويز كانسو إلى الواجهة من خلال رواية حصدت أرفع الجوائز الأدبية الفرنسية. وإذا كان الأدب عاجزاً عن تغيير ما حدث، فإنه يستطيع، في بعض الأحيان، أن يمنح أصحاب الحكايات المنسية فرصة أخرى لأن يُسمع صوتهم.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 11/2/2026 11:33:00 AM
اشتعلت أزمة إلهام شاهين ومرتضى منصور إثر تصريحاته القاسية ضدها على خلفية مهرجان الجونة السينمائي، لترد النجمة بحسم على لجان "السوشال ميديا" والمنتقدين.
فن ومشاهير 11/3/2026 10:03:00 AM

بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".