ياسين جابر يرسم ملامح السياسة المالية في لبنان من خلال موازنة 2027
تُطرح موازنة عام 2027 في مرحلة اقتصادية ومالية بالغة التعقيد، يتداخل فيها الانكماش مع التضخم وارتفاع كلفة الاستيراد، فيما لا يزال لبنان يرزح تحت تداعيات الانهيار المصرفي، وتراجع الاستثمار العام، والأضرار التي خلفتها الحرب. وفي مواجهة هذا الواقع، ترسم الموازنة ملامح سياسة مالية تقوم على ثلاثة مرتكزات: ضبط الإنفاق وصون الاستقرار النقدي، حماية المواطنين واستمرارية الخدمات الأساسية ضمن الإمكانات المتاحة، وتهيئة الأرضية اللازمة لاستعادة الاستثمار وتحريك عجلة التعافي والاستفادة من فرص التكامل الإقليمي.
وبذلك، تقف موازنة 2027 عند مفترق بين احتواء تداعيات الانهيار وإطلاق مسار التعافي، حاملة حزمة من المشاريع والتمويلات والإصلاحات التي يمكن أن تشكل مدخلا لإعادة تنشيط الاقتصاد. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الوعود والاعتمادات المرصودة، بل في القدرة على ترجمتها إلى إنجازات فعلية، عبر تسريع التنفيذ، وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام، وحسم الملفات الإصلاحية العالقة، بما ينقل لبنان من سياسة إدارة الأزمات إلى مسار التعافي والاستقرار المستدام.
وتكشف المعطيات التي عرضها وزير المال ياسين جابر اليوم عن توجه يقوم على احتواء المخاطر الآنية، مع إبقاء الإصلاحات والاستثمارات المتوسطة والطويلة الأجل ضمن الأولويات. إلا أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطا بقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى تنفيذ الإصلاحات وتحويل التمويلات المتاحة إلى مشاريع منتجة.
الطاقة والانكماش يضغطان على الاقتصاد
يشكل ارتفاع أسعار الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد اللبناني، في ظل اضطراب أسواق النفط والتجارة العالمية وتأثر سلاسل الإمداد بالتطورات الجيوسياسية، ولا سيما المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمها مضيق هرمز.
وتتضاعف تداعيات هذه التطورات على لبنان بسبب اعتماده الكبير على استيراد المحروقات، وخصوصا الديزل الذي يشكل عنصرا أساسيا في تشغيل قطاعات النقل والأفران والكهرباء والمولدات الخاصة.
ووفق الأرقام التي عرضها جابر، ارتفع سعر الديزل من نحو 650 دولارا إلى 1500 دولار، ما ضاعف أعباء الأسر والمؤسسات وزاد فاتورة الاستيراد بالعملات الأجنبية إلى نحو ضعفين ونصف. وتكمن خطورة هذا الارتفاع في صعوبة خفض استهلاك الديزل، نظرا إلى ارتباطه باستمرارية قطاعات أساسية، بخلاف البنزين الذي تراجع استهلاكه بنحو 35%.
وقد انعكست هذه التطورات على التوقعات الاقتصادية، إذ تحولت تقديرات النمو التي كانت تشير إلى إمكان تحقيق نحو 4% خلال عام 2026 إلى توقعات بانكماش لا يقل عن 6.5% وفق تقديرات البنك الدولي التي أشار إليها جابر، مع احتمال تفاقم التراجع تبعا للتطورات الأمنية والاقتصادية.

الاستقرار النقدي والحماية الاجتماعية
في مواجهة هذه الضغوط، تعطي وزارة المال الأولوية للمحافظة على الاستقرار المالي والنقدي، وتجنب التوسع غير المحسوب في الإنفاق أو زيادة الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية. ويؤكد جابر أهمية التنسيق مع مصرف لبنان وإدارة السيولة وبرمجة المدفوعات بما يحد من الضغوط على سوق الصرف.
توازيا، حافظت الخزينة، وفق عرضه، على انتظام دفع الرواتب والمستحقات، واستمرار تمويل القطاعات الصحية والاجتماعية وخدمات النظافة وجمع النفايات ومعالجتها، منعا لتحول الأزمة المالية إلى أزمة إضافية في الخدمات العامة.
وعلى المستوى الاجتماعي، برزت مساهمة الخزينة للمرة الأولى في تمويل برنامج "أمان"، الذي كان يعتمد بصورة أساسية على تمويل البنك الدولي، مع تعزيز الموارد المخصصة له بمساهمات إضافية، بينها مساهمة من الاتحاد الأوروبي.
أما موازنة 2027، فتتضمن زيادة تقارب مليار دولار مقارنة بموازنة 2026، يعود القسم الأكبر منها إلى تصحيح رواتب القطاع العام. وتبلغ الاعتمادات الإضافية المخصصة لهذا الغرض نحو مليار ومئة مليون دولار، في إطار استكمال الزيادة التي أُقرت عام 2026، والاتجاه إلى منح ستة رواتب إضافية خلال عام 2027، تُدفع على مرحلتين.
ويشير جابر إلى أن الالتزامات تشمل كتلة واسعة تقارب 300 ألف شخص، من عسكريين في الخدمة ومتقاعدين مدنيين وعسكريين وأساتذة، ما يفسر حجم الأعباء المترتبة على الخزينة وصعوبة معالجة ملف الرواتب من دون تأمين موارد مستدامة.
تحسين الإيرادات ومكافحة التهرب الضريبي
على صعيد الإيرادات، تقوم المقاربة المالية على تحسين الجباية ومكافحة التهرب الضريبي بدلا من فرض ضرائب عامة جديدة. وتشمل الإجراءات مراجعة بعض الرسوم الإدارية والتنظيمية التي فقدت قيمتها الفعلية نتيجة تراجع سعر صرف الليرة، مع التمييز بين استعادة القيمة الحقيقية للرسوم وفرض ضرائب جديدة.
ويبرز في هذا المجال ملف الأملاك البحرية، حيث صدرت أوامر تحصيل بقيمة تقارب 1.3 مليار دولار، من دون أن يعني ذلك أن المبالغ أصبحت محصلة نهائيا، نظرا إلى حق المكلفين في الاعتراض وسلوك المسارات القانونية.
كذلك أحالت وزارة المال ملفات 107 شركات إلى النيابة العامة المالية بسبب عدم تسديد مستحقات ضريبة القيمة المضافة السابقة لعام 2023. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أن الشركات تجمع هذه الضريبة من المستهلكين لمصلحة الدولة، ثم يفترض أن تحولها إلى الخزينة.
وتشمل الإجراءات أيضا تدقيق التصاريح الضريبية لبعض المصارف والشركات، والتحقق من صحة احتساب ضريبة الدخل والأرباح والخسائر، ومتابعة مستحقات مالية مترتبة على جهات رسمية. لكن جابر يلفت عمليا إلى أن التحصيل الفعلي يبقى مرتبطا بالمسارات القانونية والإدارية، ما قد يؤخر ظهور أثر هذه الإجراءات في إيرادات الخزينة.
الاستثمار في القطاعات الحيوية
في ظل محدودية الإنفاق الاستثماري المباشر، الذي لا يتجاوز نحو 10.5 إلى 11% من الموازنة، مقابل حصة للإنفاق الاجتماعي تقارب 57%، تراهن وزارة المال على القروض والتمويلات الخارجية لإعادة تأهيل القطاعات الأساسية.
ومن أبرز هذه التمويلات قرض بقيمة 200 مليون دولار للقطاع الزراعي، لدعم المؤسسات الزراعية وصغار المزارعين والمشاريع البيئية، وقد بدأ استخدام نحو 50 مليون دولار منه من خلال مؤسسة كفالات.
وفي قطاع المياه، يوجد تمويل بقيمة 257 مليون دولار لمشروع استجرار المياه إلى بيروت الكبرى، عبر إنشاء أنفاق وخزانات ومحطات تكرير وتجهيزات لشبكات التوزيع.
أما الكهرباء، فتحظى بتمويل يبلغ 250 مليون دولار لتطوير شبكة النقل وغرف التحكم والمحولات وإصلاح التجهيزات المتضررة. ويترافق ذلك مع مساعٍ للحصول على تمويل إضافي من الصندوق العربي، واستعداد قطري للمساهمة في مشاريع إنتاج الكهرباء، ومنها تحويل محطة دير عمار إلى العمل بالغاز وإنشاء محطات جديدة.
لكن جابر يشدد على أن إصلاح القطاع لا يقتصر على زيادة الإنتاج وتطوير النقل، بل يتطلب أيضا معالجة التوزيع والجباية، من خلال التحضير لمناقصات لإسناد إدارة التوزيع وتحصيل الفواتير إلى شركات خاصة، بما يضمن استدامة الموارد وتحسين الخدمة. وأبرز مثال حي على نجاح هكذا مشاريع هو "كهرباء زحلة" التي أثبت نجاح القطاع الخاص في ادارة قطاع الكهرباء.
وفي ملف إعادة الإعمار، حصلنا على مساهمة أولية بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي لبرنامج LEAP، مع توقع مساهمة فرنسية إضافية تقارب 70 مليون يورو. وقد دخلت مشاريع بقيمة نحو 65 مليون دولار مرحلة المناقصات والتلزيم. غير أن تنفيذ هذه المشاريع يظل مرتبطا بقدرات المؤسسات الإدارية والفنية، ولا سيما مجلس الإنماء والإعمار والجهات المعنية بالشراء العام وإدارة العقود.
الرقمنة والشراكة مع القطاع الخاص
يشكل التحول الرقمي محورا أساسيا في تحديث الإدارة وتحسين الجباية وتقليص الهدر. وفي هذا الإطار، أُحيل إلى مجلس النواب مشروع بقيمة 150 مليون دولار لتطوير الإدارة الرقمية، يتضمن إطلاق الهوية الرقمية وربط المؤسسات الرسمية وتسهيل تبادل المعلومات.
أما وزارة المال، فبدأت تحديث أنظمتها بفضل منحة أوروبية بقيمة 12 مليون دولار، خُصصت لتطوير الجمارك واستبدال الخوادم وإنشاء مركز بيانات جديد، بالتوازي مع اعتماد أنظمة للمعلومات المسبقة عن الشحنات والتفتيش قبل الاستيراد للحد من التلاعب بالفواتير والتهرب الجمركي.
ووفق الأرقام التي عرضها جابر، أنجز نحو مليون و650 ألف معاملة إلكترونية خلال الأشهر الماضية، وأصبحت معظم التصاريح والعمليات الضريبية متاحة إلكترونيا، فيما يجري التحضير لإطلاق تطبيق خاص بالوزارة. كذلك توسعت الخدمات العقارية الإلكترونية، بما فيها طلب الإفادات وإرسال إشعارات فورية إلى أصحاب العقارات عند تسجيل إشارات جديدة عليها.
وبالتوازي، تراهن الحكومة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتوسيع الاستثمار وتخفيف الأعباء عن الموازنة، بعد إدخال تعديلات على قانون الشراكة الصادر عام 2017 لتبسيط الإجراءات وتحسين شروط الاستثمار. ويبرز مشروع توسيع مرفأ بيروت ومحطة الحاويات ضمن المشاريع المرشحة للاستفادة من هذه الآلية، شرط ضمان الشفافية والرقابة وحماية حقوق الدولة.
التكامل الإقليمي وفرص الاستثمار
تسعى الرؤية الاقتصادية المطروحة إلى تعزيز موقع لبنان ضمن شبكات النقل والتجارة والطاقة في المنطقة، من خلال مشاريع تربط شرق المتوسط بالخليج والعراق وسوريا والأردن والأسواق الأوروبية.
وتشمل الأفكار المطروحة تطوير مسارات لنقل النفط من العراق باتجاه شرق المتوسط وتركيا، مع إمكان تفرع مسار نحو طرابلس، وإعداد دراسة جدوى بقيمة 800 ألف دولار لنفق يربط بيروت بالبقاع، إلى جانب دراسة إنشاء منطقة لوجستية في البقاع.
كما يُبحث مشروع خط سكة حديد يربط طرابلس بحمص، وتطوير معبر المصنع الحدودي وإنشاء مرافق تجارية ولوجستية ومنطقة حرة، بما يعزز حركة البضائع ويحد من التهريب.
وتقوم هذه المشاريع على تصور أوسع للتكامل الاقتصادي الإقليمي، مع توقعات بإمكان تحقيق نمو إضافي لا يقل عن 2 في المئة في الناتج المحلي لكل دولة مشاركة، إذا انتقلت مشاريع الربط من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ.
الأزمة المصرفية وقانون الفجوة المالية
يبقى إصلاح القطاع المصرفي الاختبار الأصعب أمام التعافي، بعد سنوات من الأزمة التي أضعفت الثقة بالمصارف والمودعين ووسعت الاقتصاد النقدي.
ويضع جابر إقرار قانون الفجوة المالية في مقدمة الأولويات، باعتباره الإطار الذي يفترض أن يحدد الخسائر وتوزيع المسؤوليات وآلية معالجة الودائع، بالتوازي مع قانون إعادة هيكلة المصارف وقانون السرية المصرفية والاتفاق على إطار مالي متوسط الأجل مع صندوق النقد الدولي.
وتتجاوز أهمية هذا الملف معالجة حقوق المودعين إلى استعادة اندماج لبنان في النظام المالي الدولي، ولا سيما في ظل إدراجه على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، وما يفرضه ذلك من ضرورة تحسين الرقابة المالية ومكافحة التهرب والتهريب والاقتصاد النقدي.
لكن جابر يطمئن أن "لا خطر على لبنان من إدراجه على اللائحة السوداء، والحكومة تبذل جهوداً لإخراجه من اللائحة الرمادية".
ويؤكد جابر أن مساهمة الدولة في معالجة الودائع يجب أن تراعي استدامة الدين العام وقدرة الخزينة على السداد، وأن أي التزامات نهائية تحتاج إلى أساس قانوني وإقرار نيابي. وفي المقابل، لم تُدرج فوائد سندات اليوروبوند ضمن الموازنة الحالية، بانتظار التوصل إلى خطة لمعالجة الفجوة المالية وإعادة هيكلة الالتزامات.

الإسكان والطاقة المتجددة
تتضمن المقاربة الاجتماعية أيضا إجراءات لتخفيف أعباء السكن والطاقة عن الأسر. فقد خُصص نحو 35 مليون دولار لدعم الإسكان وإعادة تفعيل المؤسسة العامة للإسكان، بما يسمح بتقديم تسهيلات لشراء المساكن وتخفيض بعض رسوم التسجيل وتمديد فترات السداد.
كما تعمل وزارة المال على إعداد برنامج قروض بنحو 60 مليون دولار لمساعدة الأسر على تركيب أنظمة الطاقة الشمسية، من خلال مساهمة من الخزينة تتراوح بين 20 و22 مليون دولار، ومنحة متوقعة من البنك الدولي بقيمة 20 مليون دولار، وقرض إضافي بالقيمة نفسها. ويستهدف البرنامج توفير قروض صغيرة بفوائد منخفضة وفترات سداد طويلة للأسر غير القادرة على تحمل كلفة التركيب الأولية.
نبض