انتخابات إسرائيل تشغل إيران... ونتنياهو رهان خصوم النظام
تحوّلت الانتخابات الإسرائيلية إلى موضع اهتمام غير مسبوق في إيران، حيث تابع مؤيدو النظام ومعارضوه نتائج الاقتراع وحسابات تشكيل الحكومة، مدفوعين بمخاوف الحرب واحتمالات تجدد المواجهة العسكرية. وبين من يرى في رحيل بنيامين نتنياهو فرصة لخفض التصعيد، ومن يعتبر بقاءه وسيلة لزيادة الضغط على طهران، كشفت الانتخابات انقساماً إيرانياً يتجاوز المواقف التقليدية من إسرائيل.
اعتاد الإيرانيون متابعة الانتخابات الرئاسية الأميركية أكثر من أي اقتراع خارجي آخر، انطلاقاً من اعتقاد شائع بأن الديموقراطيين أقل ميلاً إلى استخدام القوة العسكرية ضد إيران مقارنة بالجمهوريين. ويعتقد بعضهم أنه لو فازت كامالا هاريس على دونالد ترامب عام 2024، لما حصل نتنياهو على الضوء الأخضر الأميركي لشن الحرب على إيران.
لكن انتخابات إسرائيل في 27 تشرين الأول/أكتوبر الماضي فرضت حسابات مختلفة. فرغم حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر غادي آيزنكوت و19 للأحزاب العربية، بقي تشكيل الحكومة مفتوحاً على احتمالات متعددة.
خلاف على نتنياهو
يمكن تمييز ثلاثة اتجاهات في النقاش الإيراني. الأول يرفض الاعتراف بإسرائيل ويعتبر هوية رئيس حكومتها غير ذات أهمية. والثاني يرى أن التغيير السياسي فيها قد يؤثر في احتمالات الحرب مع إيران. أما الثالث، فيضم معارضين للنظام يدعمون نتنياهو ويعتبرون استمراره فرصة لمضاعفة الضغط على طهران.
يقول الصحافي رضا غبيشاوي إن هوية رئيس الوزراء الإسرائيلي "أصبحت مهمة للإيرانيين"، معتبراً أن "رحيل نتنياهو قد يقلص التهديد العسكري لإيران، حتى لو تولّى السلطة آيزنكوت، الذي يشاطره العداء للنظام، لكنه يشكك في إمكان إسقاطه بالضربات العسكرية".
ويتفق معه الخبير في شؤون الشرق الأوسط منصور براتي، الذي يرى أن الخلاف بين السياسيين الإسرائيليين يتعلق بالأساليب والقدرة على تحقيق الأهداف أكثر مما يتعلق بالموقف من طهران. فشخصيات مثل آيزنكوت ونفتالي بينيت، بحسب تقديره، لا تعتقد أن الهجمات الجوية وحدها كافية لإسقاط النظام الإيراني.
أما الناشط السياسي المقيم في أميركا علي أفشاري، فيعتبر أن آيزنكوت "أكثر اعتدالاً" من نتنياهو وبينيت ويائير لابيد في مقاربته للشأن الإيراني الداخلي، خصوصاً رفضه التدخل في صناعة القيادات المعارضة. ويرى أن وصوله إلى الحكم "سيكون تطوراً سلبياً لرضا بهلوي والمعارضين الذين يعوّلون على تدخل خارجي لإسقاط النظام".
موقف رسمي متشدد
في المقابل، حافظت شخصيات قريبة من السلطة على خطاب يرفض التمييز بين الأحزاب الإسرائيلية.
وكتبت زينب سليماني، ابنة قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، أن نتائج الانتخابات لن تؤثر في إرادة الإيرانيين، مستخدمة المثل الشائع "الكلب الأصفر أخو ابن آوى"، للتأكيد أن السياسيين الإسرائيليين يتشابهون مهما اختلفت انتماءاتهم.
وردّد النائب نظام الدين موسوي الموقف نفسه، معلناً رفض الاعتراف بإسرائيل أساساً.
أما علي أكبر رائفي بور، الناشط المحافظ القريب من الحرس الثوري، فاعتبر أن إيران كانت العامل الرئيسي وراء ارتفاع المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية إلى أعلى مستوياتها منذ 28 عاماً.

المعارضة تراهن على نتنياهو
أثار تأييد بعض معارضي النظام لنتنياهو سجالاً حاداً.
فقد انتقد الصحافي أحمد زيد آبادي، المعروف بمواقفه المعارضة للسلطة، الإيرانيين الذين يدافعون عن الليبرالية ويتعاطفون في الوقت نفسه مع معسكر نتنياهو، الذي يضم أحزاباً يقودها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، إلى جانب أحزاب دينية متشددة.
وأعرب زيد آبادي عن أمله في أن يستفيد آيزنكوت من التقدم الذي حققته الأحزاب العربية لتشكيل حكومة تنهي حكم نتنياهو. لكن موقفه أثار هجمات من معارضين إيرانيين اتهموه بالانحياز إلى النظام.
في المقابل، اعتبرت منصات مؤيدة لرضا بهلوي أن الانتخابات كشفت تناقضاً في السياسة الإيرانية. فالنظام الذي أمضى عقوداً في التهديد بزوال إسرائيل، بات يتابع توزيع مقاعد الكنيست بحثاً عن مؤشرات تحدد احتمالات الحرب ومستقبله السياسي.
وامتد الانقسام إلى إيرانيين يحملون الجنسية الإسرائيلية. فقد أعلنت الممثلة شهناز طهراني دعمها نتنياهو، معتبرة أن تأييده ينسجم مع تطلعها إلى "إيران حرة وإسرائيل آمنة".
أما الناشطة المدنية غلشن فتحي، فانتقدت افتراض بعض مؤيدي النظام أن هزيمة نتنياهو "ستعني انتهاء خطر الحرب". ورأت أن معارضة رئيس الوزراء الإسرائيلي "لا تعني بالضرورة معارضة السياسات الإسرائيلية تجاه إيران"، معتبرة أن "عقوداً من المواجهة الأيديولوجية جعلت الإيرانيين يترقبون انتخابات دولة لا تربطهم بها حدود مشتركة لمعرفة ما ينتظر بلدهم".
مفارقة الانتخابات المؤجلة
وأبرز الاهتمام بالاقتراع الإسرائيلي مفارقة داخلية أثارها ناشطون إيرانيون، إذ أُجّلت انتخابات المجالس البلدية والقروية في إيران بسبب الحرب، فيما جرت الانتخابات الإسرائيلية في موعدها، وتستعد الولايات المتحدة لانتخاباتها النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر.
وتساءل الناشط كيوان ساعدي عن مبررات استمرار التأجيل في إيران، بعدما امتدت ولاية المجالس المحلية إلى عامها السادس، متجاوزة مدتها القانونية البالغة أربع سنوات.
وتتجه الأنظار الإيرانية الآن إلى انتخابات الكونغرس الأميركي. ويراهن بعض المراقبين في طهران على خسارة الجمهوريين أغلبيتهم، بما يفرض قيوداً إضافية على ترامب خلال العامين المتبقيين من ولايته.
وهكذا، باتت الحسابات الإيرانية مرتبطة بنتائج اقتراعين لا يملك الإيرانيون التأثير فيهما، بينما يبقى القرار المتعلق بالحرب والسلام أحد أبرز مصادر القلق داخل البلاد.
نبض